
IWILLNOTLOOKAWAY.ORG
سلسلة
تشريح
جميع مقالات السلسلة في وثيقة واحدة، بترتيب القراءة. آخر تحديث: 28 سبتمبر 2026.
نأخذ مقالًا أو مقابلة أثارت الجدل ونتحقق من كل ادعاء فيها بالرجوع إلى المصادر: ما الصحيح، وما المحرّف، وما الناقص.
1/2 · تحليل · 27 سبتمبر 2026
تشريح إنذار: مسيّرات روسية ومصدر مجهول وروايتان بلا أدلة
الوقائع
صباح 24 سبتمبر، أعلنت صحيفة إسبانية أن روسيا تُعدّ لهجوم بطائرات مسيّرة على إيطاليا أو فرنسا أو إسبانيا، تُطلق من سفن تجارية في البحر المتوسط. وفي غضون ساعات انتشر الخبر في أنحاء أوروبا، وقبل حلول المساء كانت حكومتان من الحكومات الثلاث المذكورة قد نفته. وفي اليوم التالي استخدمته صحيفة أخرى في إيطاليا دليلاً على العكس: ليست روسيا، بل حليف في الناتو هو من يختلق إنذارات كاذبة لجرّنا إلى الحرب.
لا يسعى هذا المقال إلى تحديد من المحق بشأن موسكو. بل يحاول أمراً أبسط وأندر: أن يضع ما هو موثّق بجانب ما ليس موثقاً، وأن يطبّق على الروايتين المتعارضتين المعيار نفسه.
في 24 سبتمبر 2026 كتبت صحيفة إل موندو، في مقال لخافيير كولاس، أن الاستخبارات الأمريكية شاركت، على ما يُزعم، بعض الحكومات الأوروبية إنذاراً بشأن عملية روسية محتملة بالمسيّرات ضد إسبانيا أو فرنسا أو إيطاليا. ووفقاً للصحيفة، فإن تقريراً لوكالة المخابرات المركزية تداولته وزارات الخارجية الأوروبية في أغسطس، بعد وقت قصير من الزيارة المفاجئة لمدير الوكالة جون راتكليف إلى موسكو في 25 أغسطس. الزيارة موثّقة، أما مضمونها فلم يُكشف.
السيناريو الموصوف دقيق: مسيّرات من طراز «غيربيرا» يبلغ طولها نحو مترين، يصل مداها إلى 600 كيلومتر وتحمل 4 إلى 5 كيلوغرامات من المتفجرات، مخبأة في حاويات على سفن تجارية وتُطلق على بعد 200 إلى 300 كيلومتر من الساحل، لا بهدف التدمير بل لإغلاق ميناء أو مطار لبضع ساعات. والمصادر المذكورة اثنان: مصادر مجهولة مرتبطة بوزارة الدفاع الليتوانية، و«عدد من محللي الدفاع» يقولون إنهم يعرفون بالتقرير. لم تُعرض أي وثيقة.
ردود الحكومات
في إيطاليا كتب وزير الدفاع غويدو كروسيتو في اليوم نفسه أن الإنذار «لا يفيد أحداً ولا يجد أي تأكيد»، داعياً إلى عدم «صبّ مزيد من الزيت على النار». وفي 25 سبتمبر كان أكثر وضوحاً: «هذا غير موجود، لا علم لنا به، ولا علم للحكومات الأخرى المذكورة به». وقال وزير الخارجية أنطونيو تاياني إنه لا يوجد «أي تأكيد» وإن على الإيطاليين ألا يخافوا من هجمات عسكرية روسية.
وفي فرنسا، مساء 24 سبتمبر وفي بث مباشر على قناتي TF1 وFrance 2، قال الرئيس إيمانويل ماكرون: «هذه المعلومة يمكننا نفيها»، فالمخابرات المركزية لم تبلغ فرنسا. لكنه وصف الوضع في المقابلة نفسها بأنه «مقلق»، ورأى أن من المعقول أن تتعرض فرنسا لهجوم مشابه لهجوم لايبزيغ الذي نتناوله أدناه.
ولم تعلّق وزارة الدفاع الإسبانية حين اتصلت بها يورونيوز. ولا توجد تصريحات علنية لا من المخابرات المركزية ولا من الحكومة الليتوانية. وقال الأمين العام لحلف الناتو مارك روته إن التهديد الروسي «قائم وطويل الأمد»، ودعا الأوروبيين إلى التزام الهدوء.
باختصار: لم يعرض أحد التقرير المذكور، وتؤكد حكومتان من الحكومات الثلاث التي قيل إنها تلقته أنها لم تتلقه قط.
السياق: ما هو موثّق
لم يولد الإنذار من فراغ. ففي الأسابيع السابقة شهدت أوروبا أحداثاً حقيقية، ومختلفة جداً فيما بينها.
لايبزيغ، 4 أغسطس 2026. مساء 4 أغسطس، عُثر في مطار لايبزيغ-هاله، قرب طائرة شحن أوكرانية، على مسيّرة ثُبّت عليها، بحسب النيابة الاتحادية الألمانية، «متفجرات احترافية وصاعق». لم تنفجر العبوة. واصطدمت طائرة شحن اضطرت إلى إلغاء هبوطها بجسم في الجو، يُرجَّح أنه مسيّرة ثانية. لم تقع إصابات. وفي 6 أغسطس تولّت النيابة الاتحادية التحقيق، متحدثة عن «هجوم خطير» على البنية التحتية للنقل، من دون تسمية مشتبه بهم أو دول.
وفي 1 سبتمبر نسب وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت ووزير الخارجية يوهان فاديفول الهجوم رسمياً إلى روسيا. وبحسب دوبرينت، فإن «تحقيقات الشرطة وأنماط الجرائم ونتائج الاستخبارات، مجتمعةً، تثبت المسؤولية الروسية». لكن من المفيد التمييز بين ما هو علني في هذا الإسناد وما ليس كذلك.
العلني هو وصف العبوة. قال دوبرينت إن تكوين المسيّرة ومكوّناتها والمتفجرات وتقنية التفجير تتطابق مع عمليات روسية معروفة، وأشار إلى المستوى التقني العالي واستخدام «عملاء من المستوى الأدنى» للتستّر على من يقف وراءهم بوصفهما سمتين نموذجيتين. هذه مؤشرات على أسلوب، لا أدلة مباشرة على من أصدر الأمر.
وثمة عناصر أخرى لم تُتداول إلا في الصحافة ومن مصادر مجهولة. فقد قال مصدر في الاستخبارات الأمريكية لشبكة ABC News في 26 أغسطس إن المتفجرات وبنية المسيّرة «نموذجية» لجهاز الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU). وتحدثت قناة ZDF عن مشتبه بهما على صلة بروسيا، هاربين حالياً. وكتبت الصحافة الألمانية عن آثار حمض نووي قيل إنها تقود إلى هجوم وقع عام 2024 في المطار نفسه، من دون تأكيد رسمي.
أما الجزء الحاسم فيبقى سرياً: نتائج الاستخبارات التي تستند إليها الحكومة، وهوية الشخص الذي يُعتقد أنه مرتبط بالأجهزة الروسية، وملفات التحقيق. وأوضحت مصادر أمنية لقناة ARD أنه «لا يمكن الإعلان عن كل شيء ما دامت الشبكة التي تقف وراء المحاولة لا تزال نشطة». ولم يُؤكَّد أي اعتقال. وموسكو ترفض كل شيء: فقد اتهم جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي برلين باستخلاص النتائج «حتى من دون انتظار النتائج الأولية للتحقيق»، وتحدث بوتين عن أدلة ملفّقة.
إذن، الهجوم مُثبت. أما المسؤولية الروسية فتؤكدها حكومة تُعلن أساسها، لكن هذا الأساس ليس علنياً ولا يمكن التحقق منه اليوم من الخارج. قد يكون ذلك سبباً مشروعاً لسرية التحقيق، لكن تبقى الحقيقة أن على الجمهور، في الوقت الراهن، أن يثق. وكنا قد كتبنا ذلك على هذا الموقع في حينه، في مقال رأي بتاريخ 2 سبتمبر.
ليتوانيا، 15 سبتمبر 2026. أسقطت مقاتلات إيطالية تابعة لمهمة الشرطة الجوية للناتو، ومتمركزة في شياولياي، مسيّرة دخلت المجال الجوي الليتواني قادمة من بيلاروس، قرب محطة كروونيس الكهرومائية. وقال الرئيس الليتواني غيتاناس ناوسيدا إنها على الأرجح مسيّرة «غيربيرا» روسية «كانت متجهة إلى أوكرانيا»، حرفتها عن مسارها تدابير الحرب الإلكترونية الأوكرانية. ولم تُسجَّل أضرار.
في لايبزيغ هناك عبوة حقيقية، وهدف مرتبط بأوكرانيا، وإسناد رسمي يستند إلى أدلة سرية في معظمها. وفي ليتوانيا هناك انتهاك للمجال الجوي يعزوه الرئيس الليتواني نفسه إلى انحراف في المسار تسببت فيه كييف، لا إلى هجوم متعمد.
اختبار التماثل: روايتان ومعيار واحد
الرواية التهويلية
تقول الرواية الأولى: روسيا تُعدّ لهجوم من البحر على جنوب أوروبا، والمخابرات المركزية حذّرتنا. يسندها سياق حقيقي من الهجمات الهجينة وبعض المصادر المجهولة. وينقصها الوثيقة، ومصدر يمكن التعرف عليه، وتأكيد من أي من الحكومات المعنية؛ بل إن روما وباريس تنفيان تلقي المعلومة. ونقطة ضعفها أنها تقدّم بوصفه «إنذاراً من المخابرات المركزية» ما هو، بكلمات المقال نفسه، ما يقوله مصدر ليتواني مجهول عن تقرير لم يره أحد. وكثير من العناوين الأوروبية أسقط صيغة الاحتمال.
الرواية المضادة
الرواية الثانية هي افتتاحية ماركو تراڤاليو في صحيفة إيل فاتو كوتيديانو بتاريخ 25 سبتمبر، «“Ibrido” sarà lei»، ويمكن قراءة نصها الكامل على موقع الصحيفة. نعرض هنا كل حججها بالترتيب الذي وردت به، مع تحقق من كل منها.
1. الحرب الهجينة يخوضها الجميع. يعرّفها تراڤاليو بأنها هجوم «من دون ترك بصمات»، ويلاحظ أن الولايات المتحدة والناتو والاتحاد الأوروبي وإسرائيل وأوكرانيا تمارسها من جهة، والصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. هذا صحيح كمبدأ، وهو المبدأ نفسه الذي يوجّه اختبار التماثل في هذا الموقع.
2. مسلسل تلفزيوني يشرح أفضل من وسائل الإعلام. يستشهد بالموسم الثالث من مسلسل Lioness، حيث تشتبه المخابرات المركزية أولاً بموسكو ثم بحليفين، أوكرانيا وإسرائيل. هذه وسيلة بلاغية: يمكن للخيال أن يوضّح فرضية، لا أن يثبتها.
3. وسائل الإعلام تقدّم الحرب الهجينة كأنها حكر على روسيا وتخوضها هي نفسها لحساب «الأصدقاء». هذا حكم على منظومة الإعلام، غير مدعوم بحالات موثقة.
4. كل اختراق للحدود يصبح «هجوماً هجيناً» لبوتين، حتى حين يأتي من أوكرانيا ولا يتسبب في قتلى أو جرحى أو أضرار. هذا صحيح جزئياً: فالحالة الليتوانية هي بالضبط اختراق يعزوه الرئيس الليتواني إلى خطأ تسببت فيه كييف. لكن التعميم يتجاهل لايبزيغ، حيث يعود غياب الضحايا إلى عبوة لم تنفجر، لا إلى غياب الهجوم.
5. عبارة «بوتين يختبر دفاعاتنا» لا معنى لها، لأنه يعرفها أصلاً. هذا قابل للنقاش: فوفق قراءة شائعة، لا تهدف هذه الاختبارات إلى معرفة مواقع الدفاعات، بل إلى قياس أزمنة الاستجابة والتنسيق بين الحلفاء والرد السياسي. لكن هذا أيضاً يبقى تفسيراً لا حقيقة ثابتة، كما لاحظنا بشأن لايبزيغ.
6. الهستيريا تجعلنا أضحوكة أو تقوّي بوتين. يعدّد تراڤاليو صواريخ أوكرانية ظُنّ أنها روسية، وأسراب طيور حُسبت مسيّرات، وتأخيرات رحلات فُسّرت على أنها أعمال تخريب. هذه الوقائع غير موثّقة المصادر في النص وينبغي التحقق منها واحدة واحدة. أما الحجة الأساسية، أي أن التهويل يضخّم الخصم، فتتوافق مع خلاصة هذا المقال.
7. ثلاثة دوافع. إبقاء حكومات فقدت مصداقيتها قائمة عبر تبرير «الرقابة والانتخابات الملغاة والأحزاب المحظورة»؛ وتمرير مئات المليارات من الإنفاق العسكري؛ وإيجاد ذريعة لإفشال التفاوض بشأن أوكرانيا. تُطرح هذه الدوافع كحقائق من دون مصادر. وعبارة «الانتخابات الملغاة» تشير على الأرجح إلى رومانيا: ففي 6 ديسمبر 2024 ألغت المحكمة الدستورية الرومانية بالإجماع الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، بعد رفع السرية عن وثائق المجلس الأعلى للدفاع. إنه قرار مثير للجدل، لكنه معلّل وليس اعتباطياً. أما الدافعان الآخران فهما أطروحتان سياسيتان مشروعتان، لا حقيقتان ثابتتان.
8. قضية إل موندو. لا «أثر» للتقرير؛ ويُزعم أن الخبر انتقل من وزير ليتواني إلى الصحيفة «من دون أن يحذّر أحد الدول الثلاث المستهدفة»؛ كروسيتو ينفي، وباريس ومدريد والاتحاد الأوروبي يلتزمون الصمت. في جوهره هذا مؤكد: فالتقرير لم يُعرض، وروما وباريس تقولان إنهما لم تتلقياه. لكن ثمة خطأين. فصحيفة إل موندو تتحدث عن مصادر مجهولة في الوزارة الليتوانية، لا عن وزير. وباريس لم تصمت: فقد نفى ماكرون على التلفزيون مساء 24، على الأرجح بعد كتابة الافتتاحية. أما مدريد فلم تعلّق فعلاً.
9. الخلاصة. «ليتوانيا، مثل أوكرانيا، تطلق إنذارات هجينة كاذبة لتخوض حرباً هجينة»، أي لجرّ حلفاء لا مصلحة لهم في محاربة روسيا إلى الحرب. هنا تسقط الحجة. فهي تنتقل من «مصدر مجهول قريب من الوزارة الليتوانية تحدث إلى صحيفة» إلى «ليتوانيا، بوصفها دولة، تنفّذ عملية متعمدة». المصدر المجهول ليس حكومة، والمعلومة غير المؤكدة ليست استفزازاً متعمداً. ولا يقدّم النص أي دليل على هذه الخلاصة.
إذن، بشأن خبر إل موندو، تؤكد الوقائع شكوك تراڤاليو. المشكلة في طريقة استخدامه لها: فهو يطالب وسائل الإعلام بأدلة لا يقدّمها بعد ذلك لأطروحته.
ما يجمع بينهما
تقوم الروايتان بالعملية نفسها: تأخذان معلومة غير متحقق منها وتحوّلانها إلى تأكيد لما كان صاحبها يعتقده أصلاً. الأولى تستخلص منها تهديداً روسياً وشيكاً، والثانية مؤامرة من الحلفاء. ولا تملك أيٌّ منهما اليوم الأدلة على الخلاصة التي تستخلصها.
تعليق قانوني
لا ينظّم القانون الدولي ما تكتبه الصحف. لكنه يتناول بدقة كبيرة السؤال الذي يقع في قلب هذه القضية: متى يمكن القول إن هجوماً ما من فعل دولة؟
لكل دولة سيادة كاملة وحصرية على المجال الجوي فوق إقليمها: إنه مبدأ عرفي أكدته المادة 1 من اتفاقية شيكاغو لعام 1944. وفي حكمها في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة عام 1986، قضت محكمة العدل الدولية بأن التحليق غير المأذون به ينتهك مباشرة سيادة الدولة التي يجري التحليق فوقها. فالمسيّرة التي أُسقطت في ليتوانيا تمثّل إذن انتهاكاً موضوعياً؛ أما تحديد المسؤولية، إذا كانت المسيّرة قد انحرفت بفعل الحرب الإلكترونية لطرف ثالث، فمسألة أخرى.
تحظر المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية لدولة أخرى. والهجوم بالمتفجرات على مطار، إذا نُسب إلى دولة، ينتهك على الأقل السيادة الإقليمية ومبدأ عدم التدخل؛ أما ما إذا كان يشكّل أيضاً «استعمالاً للقوة» فمسألة خلافية في الفقه.
العقدة في الحرب الهجينة هي الإسناد. فبموجب المادة 8 من مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول (2001)، يُنسب تصرف الأشخاص أو الجماعات إلى دولة إذا تصرفوا بناءً على تعليماتها أو تحت توجيهها أو سيطرتها. وهذا بالضبط ما يجب إثباته حين يُلجأ إلى الوسطاء تحديداً لتجنب ترك البصمات.
ويجب أن يكون الدليل متيناً. ففي قضية قناة كورفو (1949) لم تقبل محكمة العدل الدولية الأدلة غير المباشرة إلا بشرط ألا تترك «مجالاً لشك معقول». وفي قضية البوسنة والهرسك ضد صربيا (2007) اشترطت، في الاتهامات البالغة الخطورة الموجّهة إلى دولة، أدلة «قاطعة تماماً».
هذه المعايير تنطبق على المحاكم، لا على الصحف أو الوزراء. لكنها تحدد مقياساً، وهذا المقياس يجب أن يُطبَّق على الجميع. فبشأن لايبزيغ أعلنت ألمانيا أساساً، لكن الجزء الحاسم يبقى سرياً: فهذا الإسناد لا يمكن التحقق منه اليوم إلا جزئياً، ولن يصبح قابلاً للتحقق الكامل إلا بمحاكمة أو بنشر الملفات. أما إنذار إل موندو وأطروحة «الإنذار الليتواني الكاذب» فلا يشيران إلى أي أساس قابل للتحقق.
حكم تحريري
تعيش الحرب الهجينة على الغموض: غايتها التشويش، وكل إنذار غير متحقق منه يخدمها، أياً كان اتجاهه. من يضخّم تهديداً لا يستطيع إثباته ينشر الخوف ويجعل الخصم أقوى مما هو عليه. ومن يرفض كل شيء باعتباره اختلاقاً يعمي نفسه عن الهجمات الحقيقية، مثل هجوم لايبزيغ.
لا نطالب بإبقاء الرأي العام في الظلام: فحق المواطنين في تلقي المعلومات، الذي تحميه المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يسري في الأزمات أيضاً. نطالب بشيء آخر: أن يقول كل من يتولى الإعلام، حكومات وصحفاً، بوضوح دائم ما هو ثابت، وما هو مشتبه به، وما هو غير مؤكد. وأن يأتي الاتهام الموجّه إلى دولة مقروناً بأساسه، لا قبله.
وأخيراً هناك مسألة سياسية نعلنها بوصفها موقفنا. فمناخ الإنذارات المتواصلة يجعل الدبلوماسية أصعب، ويجعل جلوس أي حكومة إلى طاولة التفاوض أكثر كلفة. نؤمن بأن أمن أوروبا يمر أيضاً عبر التفاوض، وبأن التفاوض يحتاج إلى وقائع متحقق منها لا إلى مخاوف. وأدوات الحد من الغموض موجودة، من القنوات التقنية لتفادي الاحتكاك إلى آلية إسناد مشتركة في إطار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، كما كتبنا في يوليو. ولا ينبغي لأي من أطراف هذه القضية، من هذا الجانب أو ذاك، أن يسعى إلى تحقيق أهدافه عبر الغموض.
المصادر: إيل فاتو كوتيديانو — خبر إل موندو (24/9) · يورونيوز — مصادر إل موندو، روته، وزارة الدفاع الإسبانية (24/9) · إيل سولي 24 أوري — كروسيتو (24/9) · إيل بوست — كروسيتو (24/9) · أدنكرونوس — كروسيتو وتاياني (25/9) · سكاي تي جي 24 — ماكرون على TF1 وFrance 2 (24/9) · يورونيوز — ماكرون · سي إن إن — راتكليف في موسكو (25/8) · النيابة الاتحادية الألمانية — بيان 6/8 · الجزيرة — الإسناد الألماني (1/9) · شتوتغارتر ناخريشتن — الأدلة التي قدّمتها الحكومة · ABC News — مصدر في الاستخبارات الأمريكية (26/8) · ZDF — المشتبه بهما · ComplexDiscovery — الأدلة العلنية والسرية · يورونيوز — أثر الحمض النووي (11/8) · LRT — ناوسيدا عن المسيّرة التي أُسقطت (16/9) · إيل فاتو كوتيديانو — افتتاحية ماركو تراڤاليو (25/9) · وكالة نوفا — المحكمة الدستورية الرومانية · محكمة العدل الدولية — نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة، 1986، الفقرة 251 · لجنة القانون الدولي — المواد المتعلقة بمسؤولية الدول، 2001 · محكمة العدل الدولية — قناة كورفو، 1949 · محكمة العدل الدولية — البوسنة والهرسك ضد صربيا، 2007، الفقرة 209
ملاحظة تحقق: لم يكشف أي طرف عن تقرير المخابرات المركزية الذي استشهدت به إل موندو؛ وكل المعلومات عن مضمونه مصدرها جهات مجهولة. والأدلة التي تدعم الإسناد الألماني في قضية لايبزيغ سرية في معظمها: ما يرد هنا هو ما كان علنياً حتى 27 سبتمبر 2026. ولا تُنشر افتتاحية تراڤاليو كاملة لأسباب تتعلق بحقوق المؤلف؛ والاقتباسات قصيرة ولأغراض النقد.
2/2 · تحليل · 28 سبتمبر 2026
تشريح مقابلة: الخطة الأمريكية وزيلينسكي وهزيمة تُقدَّم على أنها حتمية
الوقائع
في 28 سبتمبر نشرت الصحيفة الإيطالية الإلكترونية «Il Sussidiario» مقابلة أجراها باولو روسيتي مع جانأندريا غاياني، مدير مجلة «Analisi Difesa»، وندعو القرّاء إلى قراءتها كاملة قبل هذا المقال. الأطروحة قاطعة: الولايات المتحدة أعادت طرح خطة سلام تنصّ على التنازل عن الأراضي التي تطالب بها روسيا، وشريط منزوع السلاح، وحياد أوكرانيا، وانتخابات خلال مئة يوم. وزيلينسكي يرفضها خوفاً من خسارة الانتخابات؛ وأوروبا تُبقي الحرب مشتعلة بـ«قصف من الأخبار الكاذبة»؛ والبديل أمام كييف هو بين قبول هزيمة، «لا انهيار»، والمخاطرة بأن تنهار الجبهة وتزول الدولة الأوكرانية. ويخلص إلى أن قبول الخطة سيسمح بإعادة إعمار أوكرانيا «على نفقتنا»: وهي فاتورة حاولنا حسابها في المقال السابق.
قبل أيام قليلة طبّقنا معيار الإثبات على إنذار في الاتجاه المعاكس: الإعلان عن هجوم روسي بطائرات مسيّرة على إيطاليا أو فرنسا أو إسبانيا، والافتتاحية التي جعلت منه دليلاً على مؤامرة من الحلفاء. هنا نفعل الشيء نفسه في الاتجاه المقابل. لا لنحدّد من المحقّ في هذه الحرب، بل لنفصل بين ما هو موثّق وما ليس كذلك.
باختصار
صحيح أو صحيح في جوهره: الخطة التي تنصّ على انتخابات خلال مئة يوم، لكنها تعود إلى نوفمبر 2025؛ التأخير في تسليم صواريخ باتريوت؛ تصريح بوتين عن أوروبا؛ تقدّم زالوجني في جولة إعادة وفق استطلاع حديث.
محرّف: توسك والـ27 ألفاً شهرياً؛ نسبة نجاح باتريوت البالغة 5%؛ قمة موسكو؛ تعميم إنذار المسيّرات على التهديد الروسي كله.
خاطئ: ارتفاع فواتير الكهرباء في دول البلطيق بنسبة 60-70%؛ «سقوط» البرلمان والرئيس.
غير قابل للتحقق أو بلا مصدر: «تقرير نيويورك تايمز»؛ فرار نصف المجنّدين قبل وصولهم إلى وحداتهم.
ما يستحق الأخذ بجدية: الخطر على كييف قائم، لكن بيانات اليوم تصف استنزافاً لا انهياراً. وهناك كلفة، ديموغرافية، لا تأخذها المقابلة في الحسبان.
الأطروحة المركزية: هل الجبهة على وشك الانهيار؟
إنها أخطر ما تقوله المقابلة، والتي يقوم عليها كل ما عداها: إذا لم تتفاوض كييف، فقد تنهار الجبهة فجأة و«يجتاح» الروس البلاد.
البيانات المتاحة تصف ديناميكية أخرى. وفقاً لرصد منظمة DeepState الأوكرانية، الذي ينقله مشروع «Russia Matters» التابع لجامعة هارفارد، كسبت روسيا بين سبتمبر 2025 وسبتمبر 2026 نحو 2170 كيلومتراً مربعاً في المجموع، أي أقل من 0.4% من أراضي أوكرانيا. وفي الأسابيع الأربعة حتى 22 سبتمبر بلغ صافي المكسب نحو 96 كيلومتراً مربعاً وفق DeepState، بينما يسجّل معهد دراسة الحرب (ISW) رصيداً شبه معدوم. وتسيطر موسكو اليوم على نحو 19% من أوكرانيا، بما في ذلك القرم وأجزاء دونباس المحتلة قبل 2022.
إنه تقدّم بطيء ومكلف، لا جبهة تتفكك. وهذا لا يستبعد أن تنهار: فحروب الاستنزاف قد تنكسر فجأة حين تفرغ الوحدات من جنودها، ولهذا السبب تهمّ بيانات التعبئة الواردة أدناه. لكن من يؤكد أن الانهيار وشيك عليه أن يبيّن على أي بيانات يستند. والمقابلة لا تفعل ذلك.
الادعاءات، واحداً تلو الآخر
الخطة التي تنصّ على انتخابات خلال مئة يوم. موجودة، لكنها ليست جديدة. فخطة النقاط الثماني والعشرين لإدارة ترامب، التي كُشف عنها في نوفمبر 2025، نصّت على انتخابات في أوكرانيا خلال مئة يوم، وحظر دستوري للانضمام إلى الناتو، ومنطقة عازلة محايدة في الجزء الذي تسيطر عليه كييف اليوم من دونيتسك، تُسلَّم فعلياً لروسيا. أما القول إن الخطة «أعيد طرحها» مع زيارة مدير وكالة المخابرات المركزية راتكليف إلى موسكو في 25 أغسطس فهو تفسير: فقد قدّمت وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى روايات مختلفة عن هدف تلك الزيارة. كما أن الشريط «الذي تحرسه الأمم المتحدة» لا يرد في نص الخطة كما نقلته شبكة CBS.
قمة موسكو التي رفضها زيلينسكي. في 25 سبتمبر كتبت وكالة بلومبرغ أن ترامب اقترح على زيلينسكي، خلال لقائهما في نيويورك في 22 سبتمبر، الذهاب إلى موسكو للقاء بوتين، وأن زيلينسكي رفض. وقد نفى مكتب الرئيس الأوكراني ذلك. تعترف المقابلة بهذا، لكنها تُغفل معطى: فوفقاً لموقع أكسيوس، اقترح الأمريكيون بعد زيارة راتكليف مجدداً قمة ثلاثية، وهي فكرة كان زيلينسكي قد قبلها في الماضي ورفضها بوتين.
«سقوط» البرلمان والرئيس. انتهت الولاية العادية للبرلمان (الرادا) في 2023 وولاية الرئيس في مايو 2024، والانتخابات معلّقة بموجب الأحكام العرفية. لكن القول إنهما «سقطا» لا يتوافق مع القانون الأوكراني: فالدستور يمدّد صراحةً صلاحيات البرلمان حتى أول جلسة للبرلمان الجديد (المادة 83)، وينصّ على أن الرئيس يبقى في منصبه حتى أداء خلفه اليمين (المادة 108). يمكن النقاش في مدى ملاءمة التصويت في زمن الحرب؛ لكن لا يمكن القول إن المؤسسات قد سقطت.
زالوجني سيهزم زيلينسكي. الأمر يتوقف على الاستطلاع. وفقاً لـSociopolis (16-21 سبتمبر 2026)، يتعادل الاثنان في الجولة الأولى عند 19%، لكن زالوجني سيفوز في الجولة الثانية بـ62% من الأصوات الصحيحة. أما وفقاً للمعهد الجمهوري الدولي (بين أواخر مايو وأوائل يونيو 2026)، فقد كان زيلينسكي متقدّماً في الجولة الأولى (32% مقابل 16%) وفي الجولة الثانية (42% مقابل 39%). الادعاء تسنده دراسة حديثة، لا صورة متّسقة.
«الأخبار الكاذبة» عن مسيّرات من البحر المتوسط. في نقطة واحدة المقابلة محقّة، وقد وثّقناها: فالإنذار من هجوم روسي بمسيّرات تُطلق من سفن استند إلى مصادر مجهولة ونفته روما وباريس. لكن لا يُستنتج من إنذار واحد غير مؤكد أن التهديد الروسي كله «سيل من الاختلاقات». فالهجوم بمسيّرة مفخّخة على مطار لايبزيغ في 4 أغسطس، الذي نسبته الحكومة الألمانية رسمياً إلى روسيا، واقعة أثبتتها النيابة الفيدرالية، حتى وإن ظلّ جزء كبير من الأدلة سرياً.
ارتفاع فواتير الكهرباء في البلطيق بنسبة 60-70%. البيانات لا تدعم ذلك. فبعد الانفصال عن الشبكة الكهربائية الروسية في 8 و9 فبراير 2025، ارتفعت أسعار الجملة لبضعة أيام، لكن الجهات التنظيمية عزت ذلك أساساً إلى عطل كابل EstLink 2 مع فنلندا، وضعف إنتاج الطاقة المتجددة، وسعر الغاز. وقدّرت هيئة البث العامة الإستونية ERR كلفة الانفصال على الأسرة الإستونية بنحو 15 يورو سنوياً.
توسك والـ27 ألف رجل شهرياً. الرقم موجود، لكنه منقول بشكل غير دقيق. فتوسك لم يقله في اجتماع مغلق، بل في خطاب علني أمام البرلمان البولندي في 17 سبتمبر، نقلاً عن مصادر أوكرانية. والمقصود 27 ألف قتيل وجريح شهرياً، لا رجال فُقدوا نهائياً. إنه رقم قياسي خطير، لكنه يختلف عمّا توحي به المقابلة.
تهرّب «كامل» من الخدمة وفرار نصف المجنّدين. المشكلة حقيقية وكبيرة: فوفقاً لوزير الدفاع فيدوروف، كان نحو 200 ألف عسكري متغيّبين دون إذن في يناير، وفي أكتوبر 2025 سُجّلت أكثر من 21 ألف حالة في شهر واحد. لكننا لم نجد أي مصدر للادعاء بأن نصف المجنّدين يفرّون قبل الوصول إلى وحداتهم، ولا لتهرّب «كامل». وقد توقّف مكتب المدعي العام عن نشر البيانات في نوفمبر 2025، ما يجعل أي رقم دقيق غير قابل للتحقق.
«تقرير نيويورك تايمز» عن أوكرانيا التي تبيع كل شيء. لم نجده. الموثّق شيء آخر: في 2026 فتحت كييف آلية خاضعة للرقابة لتصدير الأسلحة، ولا سيما المسيّرات، إلى الدول الشريكة، مع قوائم سوداء وتراخيص تُمنح حالة بحالة. إنه خيار سياسي قابل للنقاش، لا بيع لكل ما ليس «مثبّتاً بالإسمنت في الأرض».
تأخّر تسليم باتريوت بين سنتين وثلاث سنوات. متّسق في جوهره مع البيانات المتاحة. فبعد الحرب على إيران، التي بدأت في فبراير 2026، حذّرت الولايات المتحدة عدداً من الحلفاء من تأخيرات تصل في بعض الحالات إلى خمس سنوات، في أنظمة منها صواريخ باتريوت الاعتراضية، لإعادة بناء مخزوناتها.
نسبة نجاح باتريوت دون 5%. هذا خطأ منهجي. المعطى المعروف، الذي نشرته صحيفة فايننشال تايمز، هو تراجع نسبة الصواريخ الباليستية التي اعترضتها أوكرانيا من 37% إلى 6% في غضون شهر واحد عام 2025، بعد تحديثات أُدخلت على الصواريخ الروسية. هذه النسبة تقيس كم من الصواريخ القادمة يُسقط، لا كم من الصواريخ الاعتراضية المطلقة يصيب هدفه: فحين تنقص الصواريخ الاعتراضية، لا يُتصدّى لكثير من الصواريخ أصلاً. وحساب المقابلة، الذي يقول إن خمسة فقط من كل مئة باتريوت تُطلق تصيب والباقي أموال مهدرة، يخلط بين كميتين مختلفتين.
بوتين «ليس لديه سبب» لمهاجمة أوروبا. قالها بوتين بالفعل في 25 سبتمبر. إنها تصريح طرف في حرب، ويجب التعامل معها على هذا الأساس: لا هي دليل على حسن النية، ولا دليل على العكس.
الآراء السياسية. الحكم على أوروبا «بسرعتين»، والمواقف المنسوبة إلى مارين لوبان وحزب البديل من أجل ألمانيا، وفكرة أن الحرب تستنزف أوروبا قبل غيرها: هذه تقديرات سياسية مشروعة، لا وقائع يُتحقَّق منها، ولا نعاملها على أنها كذلك.
الحساب الذي لا تجريه المقابلة
قبل الغزو كان جهاز الإحصاء الأوكراني يحصي 41.1 مليون نسمة، باستثناء القرم. واليوم تتراوح التقديرات بين 29 مليوناً وفق معهد الديموغرافيا التابع لأكاديمية العلوم و22-25 مليوناً وفق وزير السياسة الاجتماعية أوليوتين. والفارق بين الرقمين يبيّن مدى عدم اليقين في البيانات في بلد يخوض حرباً ولم يُجرِ تعداداً سكانياً منذ 2001؛ لكن الانخفاض في الحالتين يبلغ الربع أو أكثر.
قبل الحرب كان عدد الرجال بين 25 و59 عاماً نحو 9.3 مليون وفق البنك الدولي. ويقدّر نموذج نشرته المنظمة الأوكرانية Intention في سبتمبر 2025، استناداً إلى تحليل لـTexty، أنه بعد استبعاد العسكريين في الخدمة ومن هم في الخارج والمعفَين ومن يحق لهم التأجيل، تتراوح الاحتياطيات القابلة للتعبئة بين 2.8 و4.9 مليون رجل. ويحذّر المؤلفون أنفسهم من أن البيانات الأولية غير مؤكدة.
بالمعدل القياسي الذي ذكره توسك، 27 ألف قتيل وجريح شهرياً، يكون المجموع نحو 324 ألفاً سنوياً. وإذا قُسمت الاحتياطيات على هذا المعدل، فإنها تكفي ما بين 8 و15 عاماً. لكن هذا الحساب مضلّل. فالجبهة لا تنهار حين تنفد الاحتياطيات، بل حين تتجاوز خسائر كل شهر عدد الرجال الذين يمكن تعبئتهم. وهنا الأرقام متقاربة. فقد قال زيلينسكي في فبراير إن أوكرانيا تعبّئ 30-34 ألف شخص شهرياً؛ وفي أغسطس قال رئيس مكتبه، كيريلو بودانوف، إن المطلوب 30 ألفاً على الأقل. ومع 27 ألف قتيل وجريح شهرياً، يكاد الوافدون الجدد يعوّضون الخسائر فحسب، دون إعادة بناء الاحتياطيات أو إراحة من يقاتلون منذ 2022. وفي استبيان عبر الإنترنت لمبادرة Lobby X، تستشهد به الدراسة نفسها ويملؤه متطوعون لا عيّنة تمثيلية، لم يعلن استعداده للخدمة في الظروف الحالية سوى 23% من المشاركين.
ثم هناك الكلفة التي تبقى بعد الحرب. فالرجال بين 25 و60 عاماً الذين تستهلكهم الحرب هم أنفسهم من ستحتاجهم إعادة الإعمار. وكانت وزارة الاقتصاد الأوكرانية تقدّر منذ 2024 أن التعافي سيفتقر إلى 4.5 مليون عامل. ويعيش في أوروبا نحو 5.2 مليون لاجئ أوكراني: ووفق توقعات الأمم المتحدة، سيبقى ما يصل إلى 3 ملايين منهم في الاتحاد الأوروبي في حال سلام هشّ، وحتى في حال نصر كامل لن يعود 1.67 مليون. ويُضاف إلى القتلى الجرحى، 400 ألف وفق كييف، سيبقى جزء منهم معاقاً. وتناقش كييف بالفعل فتح البلاد أمام هجرة اليد العاملة.
روسيا بدورها تدفع ثمناً ديموغرافياً هائلاً. فمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) يقدّر الخسائر الروسية بأكثر من 1.4 مليون قتيل وجريح؛ ووفق تحليل لمؤسسة كارنيغي، غادر البلاد بعد الغزو نحو 650 ألف شخص، معظمهم من الشباب المؤهلين، وانخفضت الخصوبة إلى 1.4 طفل لكل امرأة. لكن روسيا تنطلق من عدد سكان يبلغ نحو 144 مليوناً، أي خمسة أضعاف سكان أوكرانيا اليوم، ومن خزان من الرجال في سن الخدمة العسكرية قُدّر مطلع 2024 بـ3.7 أضعاف نظيره الأوكراني. وهي تعبّئ أكثر: وفق زيلينسكي، نحو 10 آلاف رجل شهرياً أكثر من أوكرانيا. وتلجأ إلى الخارج: فقد أكدت كوريا الشمالية في أبريل 2025 إرسال قوات إلى منطقة كورسك، ووفق الاستخبارات الأوكرانية تعتزم موسكو تجنيد نحو 18,500 أجنبي في 2026، ولا سيما من المهاجرين القادمين من آسيا الوسطى وأفريقيا.
تعليق قانوني
في قلب المقابلة اقتراح: على أوكرانيا أن تقبل التنازل عن أراضٍ مقابل بقائها دولة. إنه تقدير سياسي مشروع. لكن القانون الدولي يضع له حدوداً لا تأتي المقابلة على ذكرها.
يحظر ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية لأي دولة (المادة 2، الفقرة 4)، ويترتب على هذا الحظر التزام جميع الدول بعدم الاعتراف بمشروعية اكتساب الأراضي بالقوة: وهذا هو أساس عدم الاعتراف بسلوك روسيا الذي يدافع عنه هذا الموقع. وقد أكدته الجمعية العامة بعبارات عامة في 1970، وبالنسبة إلى المناطق الأوكرانية الأربع التي ضمّتها روسيا، بالقرار ES-11/4 الصادر في 12 أكتوبر 2022، الذي اعتُمد بأغلبية 143 صوتاً مقابل 5. وتضيف اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات أن المعاهدة التي تُبرم بالتهديد باستخدام القوة أو باستخدامها خلافاً للميثاق تكون باطلة (المادة 52).
يمكن لاتفاق سلام أن يجمّد خط الجبهة، وأن يُقرّ وقفاً لإطلاق النار، وأن يؤجّل المسائل الإقليمية: وقد انتهت حروب كثيرة على هذا النحو. أما خطة النقاط الثماني والعشرين فذهبت أبعد من ذلك، إذ طلبت من الولايات المتحدة وغيرها الاعتراف بتلك الأراضي روسيةً «بحكم الواقع». والتمييز مهم: فالتزام عدم الاعتراف يحظر معاملة الغزو على أنه مشروع، بينما الإقرار بمن يسيطر على إقليم ما منطقة رمادية يتجادل فيها فقهاء القانون. لكن اعترافاً، ولو كان بحكم الواقع فحسب، يُمنح ثمناً لعدوان، يقترب كثيراً مما يريد ذلك الالتزام منعه.
أما الانتخابات في زمن الحرب، فإن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يحمي حق التصويت (المادة 25)، لكنه يسمح للدول بتعليق ممارسته في حالة الطوارئ العامة التي تهدد حياة الأمة (المادة 4)؛ وحق التصويت ليس من الحقوق التي لا يجوز تعليقها. لذلك فإن التأجيل الأوكراني متوافق مع الدستور ومع القانون الدولي. ويبقى خياراً سياسياً قابلاً للانتقاد، لا مخالفة قانونية.
اختبار التماثل
في المقال السابق طلبنا ممن أعلنوا عن هجوم روسي أن يقدّموا الأدلة، وممن استنتجوا منه مؤامرة من الحلفاء أن يفعلوا الشيء نفسه. وهنا السؤال ذاته. حين تنقل المقابلة واقعة قابلة للتحقق، مثل خطة الانتخابات خلال مئة يوم أو تأخير باتريوت، تفعل ذلك بشكل صحيح في جوهره. وحين تتعارض واقعة مع أطروحتها، مثل نفي كييف بشأن موسكو أو استعداد زيلينسكي لقمة ثلاثية، تخفّفها أو تُغفلها. وحين تخدم الواقعة تعزيز أطروحتها، مثل الـ27 ألفاً أو فواتير البلطيق أو نسبة الـ5% لباتريوت، تضخّمها إلى ما يتجاوز ما يقوله المصدر.
إنه النمط نفسه الذي انتقدناه في إنذار المسيّرات، معكوساً: هناك أُخذت على علّاتها مصادر مجهولة تؤكد التهديد الروسي؛ وهنا تؤخذ كلمة بوتين على علّاتها ويُرفض كل مؤشر معاكس بوصفه كاذباً.
المعيار نفسه ينطبق علينا. فكثير من المصادر المستخدمة هنا أوكرانية، بما فيها تقديرات الاستخبارات في كييف، وقد أشرنا إليها بوصفها كذلك. وحيثما وُجدت، فضّلنا مصادر مستقلة أو من البلدان المعنية: هيئة البث العامة الإستونية بشأن أسعار الطاقة، ومركز أبحاث أمريكياً لبيانات الجبهة، ومعاهد دولية للديموغرافيا.
حكم تحريري
في المقابلة نواة تستحق أن تؤخذ بجدية: الوقت لا يعمل لصالح كييف. فالموقف التفاوضي لأوكرانيا يضعف، والخسائر عند مستويات قياسية، والدفاعات الجوية تعاني نقصاً في الصواريخ الاعتراضية، والتأخيرات الأمريكية لن تُحلّ قبل الشتاء. وهناك حجة أقوى من كل ما تستخدمه المقابلة، ولا تستخدمها: كل شهر من الحرب يأخذ من أوكرانيا جندياً اليوم وعاملاً غداً، في بلد كان يخسر سكانه من قبل. بالنسبة إلى موسكو الحرب استنزاف؛ وبالنسبة إلى كييف قد تتحوّل إلى نزيف. وعلى من يؤيدون دعم كييف أن يواجهوا هذه البيانات بدلاً من تجاهلها.
لكن حجة تحتاج إلى بيانات مضخّمة كي تصمد تضعف بالتحديد حيث تريد أن تكون الأقوى. والأهم أن تقديم التنازل عن الأراضي بوصفه الطريق الواقعي الوحيد يُخفي ثمنه القانوني: فمكافأة عدوان بالاعتراف بما غزاه لا تُنهي حرباً، بل تجعل الحرب التالية أكثر ربحاً. السلام التفاوضي ضروري؛ والسؤال هو ما إذا كان عليه أن يمرّ عبر انتهاك القواعد التي يُفترض أن تحمينا جميعاً. وفي هذا، لا تقول مقابلة تقدّم نفسها على أنها واقعية شيئاً.
المصادر: Il Sussidiario — Gaiani (28/9/2026) · Russia Matters — War Report Card, DeepState/ISW (23/9/2026) · CBS News — 28-point plan (11/2025) · Kyiv Post — Bloomberg report denied (25/9/2026) · Axios — Ratcliffe (29/8/2026) · CFR — Ratcliffe's trip (8/2026) · Verfassungsblog — Art. 83, 108 · Interfax-Ukraine — Sociopolis (9/2026) · LIGA.net — IRI/Rating (6/2026) · Generalbundesanwalt (6/8/2026) · VoxUkraine — Baltic prices · ERR (2025) · EUobserver — Tusk (9/2026) · Ukranews — Tusk in the Sejm (9/2026) · Kyiv Independent — AWOL (2026) · Euronews — arms exports (1/7/2026) · Kyiv Post — US delivery delays (9/2026) · National Interest — FT data on interceptions · RTÉ — Putin (25/9/2026) · Meduza — Putin (26/9/2026) · OPORA — population 2022 · PRM — Libanova, Uliutin (5/2026) · Russia Matters — military-age men (1/2024) · Intention / Texty (3/9/2025) · RBC-Ukraine — Zelensky (27/2/2026) · Kyiv Independent — Budanov (28/8/2026) · Kyiv Post — 4.5 million workers · UA.NEWS — UN refugee projections · Mezha — labour migration · Politics Today — CSIS · Carnegie Endowment (26/9/2025) · Radio Free Asia — North Korea (28/4/2025) · Ukrainska Pravda — foreign recruits (28/4/2026) · UN — A/RES/ES-11/4 (12/10/2022)
ملاحظة تحقق: لم يُنقل نص المقابلة كاملاً لأسباب تتعلق بحقوق النشر؛ والاقتباسات قصيرة ولغرض النقد، وقد جرت مطابقتها مع النص الأصلي. بيانات الجبهة محدّثة حتى 22 سبتمبر 2026. وحساب المدة التي تكفيها الاحتياطيات من إعداد هذا الموقع استناداً إلى البيانات المذكورة.
N3R1-70 — I Will Not Look Away — النسخة الإلكترونية: https://iwillnotlookaway.org/s/ar/series-anatomy-full-text.html