رأي
الموثوقية التي تتلاشى — عندما ننتقد ديمقراطية دون أن ننظر إلى واقعنا
3 أول (أوجوست) 2026
انطلقنا من فكرة كتابة خمس مفردات في مسرد المصطلحات— تعاريف حيادية وفنية توضّح معنى "الديمقراطية" و"الاستبداد" و"النظام الهجين". من النوع الذي يُنتهى عادةً في فرد بعد الظهر، ويُنسى في شهر. لكننا عندما قارنّا بيانات ثلاثة مصادر مستقلة تقيس هذه المفاهيم— V-Dem وFreedom House وEIU— وجدنا أنفسنا أمام مشهد مختلف عمّا كان متوقّعًا: المراكز التي يفترض أنها تقول لنا بحزم من هي الديمقراطية ومن ليست لا تتفق فيما بينها، وعندما حاولنا تضييق النطاق إلى بلد واحد نعرفه عن قرب— إيطاليا— لم يعد هذا التشتت تفصيلاً منهجيًا، بل بدأ يشبه أمرَا أكثر إزعاجًا.
الحقيقة، مع مصدرها. وفقًا لEIU، إيطاليا عام 2025 هي "ديمقراطية معيبة"— ليست كاملة. وفقًا لV-Dem، إيطاليا من بين الدول المنضمّة لقائمة "المتحولة استبداديًا" عام 2025— لم يحدث تحوّل في التصنيف بعد، لكن تم رصد اتّجاه مع المملكة المتحدة والولايات المتحدة. ووفقًا لFreedom House، إيطاليا من بين الدول الثلاث الأكثر انخفاضًا في مؤشّر الحرية عام 2025، مع الولايات المتحدة وبلقاريا— وليس بسبب حادثة منفردة، بل بسبب ضعف الضمانات المضادة للفساد المذكور صراحةً في التقرير.
هذه ليست حالة منفردة تخصّنا وحدنا. لقد وثّقنا ذلك في العزوف عن التصويت كتشخيص: اسطيلاء القرار السياسي من قبل قيود ومصالح خارجة عن صندوق الانتخاب، وتحوّل النقاش العام إلى سلعة للنقرات على وسائل التواصل الاجتماعي، وأزمة المساءلة الانتخابية التي تقلّص من قدرة المواطن على ربط صوته بنتيجة حقيقية. العزوف لم يكن المرض، قلنا وقتها: كان العرض. وما يبدو من هذا الجدول يؤكّد نفس التشخيص من زاوية مختلفة— قياس خارجي، لا إدراك داخلي.
النقطة المهمّة. عندما تدين حكومة من العالم المتقدّم— إيطالية أو أوروبية أو أمريكية— دولةً أخرى بوصفها "ليست ديمقراطية حقيقية"، فإنها تفعل ذلك أشبه دائمًا وكأن تصنيفها الذاتي دامِف مقفل، لا جدال فيه. لكنها ليست كذلك. نفس الأدوات التي نستعملها للحكم على دولة ثالتة، مطبّقة على أنفسنا، تعيد لنا مشهدًا ناقصًا ومتدهورًا، تقيّمه مصادر لا تتفق أصلًا على خطورة التراجع. هذا لا يعني أن الحكم على الأخرين زائف أو مبرر— فبيانات هذا المقال نفسها توضّح أن لا أحدًا من المراكز الثلاثة يشكّ في أن كوريا الشمالية أو المملكة العربية السعودية ليستا ديمقراطيتين بأي معنى ذي دلالة. ما يعنيه هو أن حق أي طرف في إصدار هذا التقييم يتلاشى كلّما لم يلتزم من يطرحه بنفس معيار التحقّق حيال واقعه.
الوجه الآخر. ليست متفردة في النقد الذاتي. فمنذ 2021، تنشر وزارة الخارجية الصينية تقريرًا سنويًا بعنوان "واقع الديمقراطية في الولايات المتحدة"— أحدث إصدار قابل للتدقيق في هذه الجلسة يعود لعام 2022 (نُشر في 20 مارس 2023)— يسرد بيانات حقيقية (معامل جيني الأمريكي الذي ارتفع إلى 0.48 عام 2021؛ استطلاعات Pew Research حول الاستقطاب السياسي) إلى جانب اتّهام صريح: أن العالم الأوروبي الأمريكي يستخدم كلمة "الديمقراطية" كسلاح دبلوماسي ضدّ من لا يندرج، لا كمعيار يُطبّق بانسجام. لابد من القول بوضوح ما هو وما ليس: ليس تحليلًا مسقتَا، بل هو ردّ معلن من دولة لها كل المصلحة في نزع المشروعية عن منتقديها، ولا تمنحه المراكز المذكورة في هذا المقال أي سلطة قياس مقارنة بما لديها. لكن تجاهل وجود هذا النقد، وتوثيقه، وارتكازه جزئيًا على بيانات حقيقية، معناه تطبيق معيار التماثل بانتقائية— وهو العيب ذاته الذي يُوجّهه هذا المقال لاستخدام كلمة "ديمقراطية".
ما ليس هذا المقال. ليس معادلة بين إيطاليا ببرلمان منتخَب ومعارضة قانونية وتبادل ممكن للحكومة، ونظام لا ينص الدستور فيه على تبادل السلطة. التمييز النظامي يبقى حقيقيًا ومهمًا. لكن التمييز بين "النظام المفتوح المتلاشي" و"النظام المنفلق" ليس رخصةً لتجاهل التلاشي. العكس هو الصحيح: كلما ازداد النظام انفتاحًا وقابلًا للتلاشي من الداخل، زادت مسؤولية من يعيشون فيه— والفرصة الحقيقية، من خلال التصويت— لقلبه.
الخامة. الموثوقية التي تتلاشى لا تندثر في ليلة واحدة، ولا تندثر بالكامل ما دام النظام مفتوحًا. لكنها تتلاشى حقًا، وبشكل قابل للقياس، كلّ مرة تقيسها ثلاثة مراكز مستقلة وترصد تراجعًا بدلًا من تأكيد.
هناك أمر واحد، بوصفي كاتب هذا المقال، أقر علنًا بأنني لا أسطيع تقييمه حتّ النهاية. أعرف كيف أقرأ رقمًا من بيانات جماعات الضغط، أو تقريرًا من Oxfam، أو درجة من Freedom House: هذه حقائق يمكن التحقّق منها، لها مصدر وتاريخ. لكن التعقيد الحقيقي للنماذج التي تتحكّم في أولويات دولة ما، —المالية والجيوسياسية والأمنية— يفوق من المحتمل قدرة كاتب هذا المقال، وأشك أنه يفوق قدرة معظم القراء أيضًا. هذا ليس طريقة مُهذّبة للإيماء بوجود تدبير خفيّ، بل هو إقرار أمين بأن هناك منطقة— لم تُوّثّق هنا لأنها لا يمكن إثباتها بأدوات هذا الموقع— يصبح التقييم المستنير فيها صعبًا كمحاولة تقييم فيزياء الانشطار النووي دون دراسته. الاعتراف بذلك أكثر صدقًا من التصنّع بالمعرفة.
السؤال الذي يبقى مفتوحًا، وهو الواقعي بالفعل، ليس ما إذا كان للعالم الأوروبي الأمريكي دافعٌا للحكم، بل إلى متى يمكن له أن يستمر في ذلك دون أن ينظر، بنفس الصرامة، إلى داخله أيضًا.
المصادر: V-Dem Institute — Democracy Report 2026 · Freedom House — Freedom in the World 2026 · Economist Intelligence Unit — Democracy Index 2025 · World Justice Project — Rule of Law Index 2025 · وزارة الخارجية الصينية — واقع الديمقراطية في الولايات المتحدة: 2022 (20 مارس 2023) · Oxfam — تقرير Resisting the Rule of the Rich (يناير 2026)